روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
119
المصباح في مكاشفة بعث الأرواح ( ويليه شرح الحجب والأستار / لوامع التوحيد / مسالك التوحيد )
وهذا كان مجبولا في ذراري آدم - عليه السلام - في بدو الوجود . ولذلك قال اللّه تعالى : أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ [ الأعراف : 172 ] . وكذا في أوّل نشوئهم حيث كلفهم معرفته ، وقال : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ( 56 ) [ الذاريات : 56 ] . وفي عنوان شبابهم في رسوخ تلك الفطرة في نفوسهم : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [ لقمان : 25 ] . وقال النبيّ - صلى اللّه وسلم - : « كلّ مولود يولد على الفطرة إلا أن أبواه يهودانه أو ينصّرانه أو يمجسانه . كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعا » . « 1 » فعلمنا من بيان القرآن والحديث أنّ في فطرة الإنسان ما يستغني في معرفة الصانع القديم الباقي عن إثبات الحجة العقليّة وإقامة البراهين العلميّة . لكن نحن نسلك مسالك النظار من العلماء الراسخين الذين تطرقوا على طرق المعارف لطلب معرفة الصانع - جلّ اسمه - معرفة كاملة عقليّة قاطعة كلّ مغالطة تدور على حواشي خواطر المبتدعة لأن العلم إذا كان معه برهان عقليّ يقبل كلّ عاقل له ضياء ونور ، وذلك ممّا لا يخالفه العقل . فإنّ في العقل لبّا خالصا يعرف أن الحادث لا يستغني في حدوثه عن محدث منزّه عن طريان علل الحدوثيّة عليه . وعند العقل معلوم أن كلّ حادث لا يستغني في كونه حادثا عن سبب ، وذلك السبب فعل فاعل وقدرة قادر وصنع صانع وعلم عالم وحكمة حاكم وإرادة مريد ، وذلك المريد القادر الصانع اللّه تعالى . وكما أن البناء لا يستغنى في كونه عن بنّاء ، فكذلك العالم لا يستغني عن صانع واحد ليس له شريك في ملكه ولا نظير في أمره ، لأنّ كلّ حادث مختص بزمان ، وجاز في العقل تقدّمه وتأخّره . واختصاص ذلك الحدث بوقته دون ما قبله وما بعده يفتقر ضرورة إلى مخصّص قديم أزلي . ولو كان للحدث اختيار لجاز أن يحدث في وقت مراده . والعالم حادث ، فلو كان حدوثه طبعا يكون معه « 2 » في الأزل . وهذا محال لأنّ الحادث والقديم لا يجتمعان في زمان . بل هو تعالى منزّه
--> ( 1 ) رواه البخاري في صحيحه ، في أبواب عدة منها باب إذا أسلم الصبي . . ، حديث رقم ( 1292 ) [ 1 / 456 ] ورواه مسلم في بابين : أحدهما : باب معنى كل مولود يولد على الفطرة . . ، حديث رقم ( 2658 ) [ 4 / 2047 ] ورواه غيرهما . ( 2 ) هذا الحديث سبق تخريجه .